صديق الحسيني القنوجي البخاري

92

فتح البيان في مقاصد القرآن

فقال : ناولني كفا من تراب فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا وولى المشركون أدبارهم « 1 » . وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بما وقع عليهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذرية ، وقال السدي : قتلهم بالسيف ، قيل أسر ستة آلاف من نسائهم وصبيانهم ، ولم تقع غنيمة أعظم من غنيمتهم فقد كان فيها من الإبل اثنا عشر ألفا ومن الغنم ما لا يحصى عددا ومن الأسرى ما سمعته وكان فيها غير ذلك . وَذلِكَ التعذيب المفهوم من عذب جَزاءُ الْكافِرِينَ سمى ما حل بهم من العذاب في هذا اليوم جزاء مع أنه غير كاف ، بل لا بد من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع عليهم وتعظيما له . ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ التعذيب عَلى مَنْ يَشاءُ ممن هداه منهم إلى الإسلام وَاللَّهُ غَفُورٌ يغفر لمن أذب فتاب رَحِيمٌ بعباده متفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 28 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 28 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أي ذوو نجاسة لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ، والنجس مصدر لا يثنى ولا يجمع ، يقال رجل نجس ، وامرأة نجس ورجلان نجس وامرأتان نجس ، ورجال نجس ، ونساء نجس ، ويقال نجس ونجس بكسر الجيم وضمها ، ويقال نجس بكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف من المحرك ، قيل لا يستعمل إلا إذا قيل معه رجس ، وقيل ذلك أكثري لا كلي . والمشركون مبتدأ وخبره المصدر ، وصفهم بذلك حتى كأنهم عين النجاسة والقذر لخبث باطنهم مبالغة في وصفهم بها . قال ابن عباس : أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ، وقال قتادة ومعمر وغيرهما : إنهم وصفوا بذلك لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم ، قيل أراد بالمشركين عبدة الأصنام دون غيرهم من أصناف الكفار ، وقيل بل جميع أصنافهم من اليهود والنصارى وغيرهم . وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات كما ذهب إليه بعض الظاهرية وروي عن الحسن البصري وهو محكي عن ابن عباس ، وقال الحسن بن صالح : من مس مشركا فليتوضأ ، ويروى هذا عن الزيدية ، وذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات لأن اللّه

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب الجهاد 2 / 117 .